محمد بن جرير الطبري

118

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول : ففي إخباري لكم عن ذلك دليل واضح على أن هذا القرآن وحي من الله وتنزيل من عنده ، لأنكم تعلمون أن علم ذلك لم يكن عندي قبل نزول هذا القرآن ، ولا هو مما شاهدته فعاينته ، ولكني علمت ذلك بإخبار الله إياي به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ قال : الملأ الأعلى : الملائكة حين شووروا في خلق آدم ، فاختصموا فيه ، وقالوا : لا تجعل في الأرض خليفة . حدثنا محمد ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ هو : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى قال : هم الملائكة ، كانت خصومتهم في شأن آدم حين قال ربك للملائكة : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ حتى بلغ ساجِدِينَ وحين قال : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً حتى بلغ وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ففي هذا اختصم الملأ الأعلى . وقوله : إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لمشركي قريش : ما يوحي الله إلي علم ما لا علم لي به ، من نحو العلم بالملأ الأعلى واختصامهم في أمر آدم إذا أراد خلقه ، إلا لأني إنما أنا نذير مبين ؛ " فإنما " على هذا التأويل في موضع خفض على قول من كان يرى أن مثل هذا الحرف الذي ذكرنا لا بد له من حرف خافض ، فسواء إسقاط خافضه منه وإثباته . وإما على قول من رأى أن مثل هذا ينصب إذا أسقط منه الخافض ، فإنه على مذهبه نصب ، وقد بينا ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وقد يتجه لهذا الكلام وجه آخر ، وهو أن يكون معناه : ما يوحي الله إلى إنذاركم . وإذا وجه الكلام إلى هذا المعنى ، كانت " أنما " في موضع رفع ، لأن الكلام يصير حينئذ بمعنى : ما يوحى إلي إلا الإنذار . قوله : إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ يقول : إلا أني نذير لكم مبين لكم إلا إنذاركم . وقيل : إلا أنما أنا ، ولم يقل : إلا أنما أنك ، والخبر من محمد عن الله ، لأن الوحي قول ، فصار في معنى الحكاية ، كما يقال في الكلام : أخبروني أني مسيء ، وأخبروني أنك مسيء بمعنى واحد ، كما قال الشاعر : رجلان من ضبة أخبرانا * أنا رأينا رجلا عريانا بمعنى : أخبرانا أنهما رأيا ، وجاز ذلك لأن الخبر أصله حكاية . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . . . ساجِدِينَ وقوله : إِذْ قالَ رَبُّكَ من صلة قوله : إِذْ يَخْتَصِمُونَ وتأويل الكلام : ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك يا محمد لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ يعني بذلك خلق آدم . وقوله : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي يقول تعالى ذكره : فإذا سويت خلقه ، وعدلت صورته ، ونفخت فيه من روحي ، قيل : عني بذلك : ونفخت فيه من قدرتي . ذكر من قال ذلك : حدثت عن المسيب بن شريك ، عن أبي روق ، عن الضحاك وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي قال : من قدرتي . فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ يقول : فاسجدوا له وخروا له سجدا . وقوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ يقول تعالى ذكره : فلما سوى الله خلق ذلك البشر ، وهو آدم ، ونفخ فيه من روحه ، سجد له الملائكة كلهم أجمعون ، يعني بذلك : الملائكة الذين هم في السماوات